الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يأتي عليه ليتلفه أو يشتته ، فاللّه يبطل الباطل بالحقّ بأن يبين للناس بطلان الباطل على لسان رسله ، وبأن أوجد في عقولهم إدراكا للتمييز بين الصلاح والفساد ، وبأن يسلط بعض عباده على المبطلين لاستئصال المبطلين ، وبأن يخلق مخلوقات يسخرها لإبطال الباطل ، قال تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ في سورة الأنفال [ 12 ] . والدمغ : كسر الجسم الصلب الأجوف ، وهو هنا ترشيح لاستعارة القذف لإيراد ما يبطل ، وهو استعارة أيضا حيث استعير الدمغ لمحق الباطل وإزالته كما يزيل القذف الجسم المقذوف ، فالاستعارتان من استعارة المحسوسين للمعقولين . ودل حرف المفاجأة على سرعة محق الحقّ الباطل عند وروده لأن للحقّ صولة فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح ، قال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً إلى قوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ في سورة الرعد [ 17 ] . والزاهق : المنفلت من موضعه والهالك ، وفعله كسمع وضرب ، والمصدر الزهوق . وتقدم في قوله تعالى : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ في سورة براءة [ 55 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً في سورة الإسراء [ 81 ] . وعندما انتهت مقارعتهم بالحجج الساطعة لإبطال قولهم في الرسول وفي القرآن ابتداء من قوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إلى قوله تعالى : كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 3 - 5 ] . وما تخلل ذلك من المواعظ والقوارع والعبر . ختم الكلام بشتمهم وتهديدهم بقوله تعالى : وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ، أي مما تصفون به محمدا صلى اللّه عليه وسلم والقرآن . والويل : كلمة دعاء بسوء . وفيها في القرآن توجيه لأن الويل اسم للعذاب . [ 19 ، 20 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) عطف على جملة لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [ الأنبياء : 17 ] مبيّنة أن كل من في السماوات والأرض عباد للّه تعالى مخلوقون لقبول تكليفه والقيام بما خلقوا